سميح دغيم
819
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
أن يحصل بينه وبين الأجسام قرب أو بعد أو مناسبة . وليس بينها وبين هذا البدن ، إلّا أنّ هذا البدن محلّ تصرّف ذلك الجوهر في منزل عمله ودار مملكته . كما أنّ الرجل المعيّن يكون ساكنا في دار ومتصرّفا فيها ، فإذا خرجت تلك الدار وخرجت عن الصلاح والسداد ، لم يلزم موت ذلك المتصرّف وبطلانه . وهذا يجري مجرى العلوم الضروريّة . والشكّ والشبهة إنّما يتولّد بسبب أنّ الوهم يسبق إلى أنّ ذلك الشيء حال في هذا البدن ، وساري فيه . فيسبق حينئذ إلى الوهم أنّه يجب موتها بموت البدن . وأمّا إن قدّرنا جوهرا مجرّدا ليس بينه وبين هذا البدن مناسبة ، لا بالقرب ولا بالبعد ، ولا بوجه من وجوه المناسبة . إلّا من وجه واحد ، وهو أنّ ذلك البدن كان دار مملكة ذلك الجوهر ومحلّ تصرّفه ، ثم إنّه خربت هذه الدار . فالعلم الضروريّ حاصل بأنّ هذا القدر لا يقتضي عدم ذلك الجوهر ، ولا يغيّر حالا من أحواله فهذا لبيان أنه لا يلزم من موت البدن موته . ( مطل 7 ، 213 ، 11 ) - إنّ العلوم إمّا نظريّة وإمّا ضروريّة . وقد ذكرنا مرارا : أنّه لا بدّ من الاعتراف بالعلوم الضروريّة ، وإلّا لزم التسلسل والدور ، وهما محالان . فثبت : أنّه لا بدّ من الاعتراف بالعلوم الضروريّة والبديهيّة . وأجلى العلوم البديهيّة وأقواها وأكملها ما يحكم به صريح الفطرة ، وبديهة العقل . إذا عرفت هذا ، فنقول : كل واحد يعلم بالضرورة : أنّه هو الذي رأى المبصرات ، وسمع المسموعات ، وذاق المطعومات ، ولمس الملموسات ، وأدرك المشمومات ، وتصوّر المتخيّلات ، واستحضر المذكورات والمنسيّات ، وأنّه هو الذي يحرّك يده إلى الأخذ ، ويحرّك رجله إلى المشي . ولو نازع منازع في كون الإنسان موصوفا بهذه الصفات ، وآتيا بهذه الأفعال ، لكان ذلك النزاع واقعا في أظهر العلوم الضروريّة . وذلك يدلّ على أنّ صريح الفطرة شاهدة بأنّ الإنسان هو الموصوف بهذه الصفات ، وهو الفاعل لهذه الأفعال . ولمّا كان الإنسان عبارة عن النفس ، وجب أن تكون النفس هي الموصوفة بهذه الصفات ، وهي الآتية بهذه الأعمال . ( مطل 7 ، 257 ، 19 ) - اعلم أنّ النفس عبارة عن ذات الشيء ، وحقيقته ؛ وهويته ، وليس عبارة عن الجسم المركّب من الأجزاء ، لأن كل جسم مركّب ، وكل مركّب ممكن ، وكل ممكن محدث . ( مفا 1 ، 121 ، 26 ) - إنّ النفس لا تدعو إلّا إلى الدنيا واللذّات المحسوسة ، والعقل لا يدعو إلّا إلى خدمة اللّه وطاعته والإعراض عن المحسوسات ، وكان بين الحالتين تضاد وتناف ، ولذلك فإنّ العلماء ضربوا المثل في مظان تطلب الدنيا والآخرة بالضرّتين ، وبالضدّين ، وبالمشرق والمغرب ، وبالليل والنهار . ( مفا 11 ، 220 ، 12 ) - إنّ النفس عبارة عن الذات ، يقال نفس الشيء وذاته بمعنى واحد . ( مفا 12 ، 135 ، 12 ) - ظاهر الآيات الكثيرة يدلّ على أنّ الإنسان عبارة عن النّفس ، لا عن البدن ، ويدلّ أيضا على أنّ النّفس كانت موجودة قبل البدن . أمّا أنّ الإنسان شيء غير هذا البدن فلقوله تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ